فصل: من لطائف وفوائد المفسرين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



في هذا اليوم المفزع الرهيب يكون الأمن والطمأنينة من الفزع جزاء الذين أحسنوا في الحياة الدينا، فوق ما ينالهم من ثواب هو أجزل من حسناتهم وأوفر:
{من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون}.
والأمن من هذا الفزع هو وحده جزاء. وما بعده فضل من الله ومنة. ولقد خافوا الله في الدنيا فلم يجمع عليهم خوف الدنيا وفزع الآخرة.
بل أمنهم يوم يفزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله.
{ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار} وهو مشهد مفزع. وهم يكبون في النار على وجوههم. ويزيد عليهم التبكيت والتوبيخ!
هل تجزون إلا ما كنتم تعملون.
فقد تنكبوا الهدى، وأشاحوا عنه بوجوهم؛ فهم يجزون به كبا لهذه الوجوه في النار وقد أعرضت من قبل عن الحق الواضح وضوح الليل والنهار.
الدرس الرابع: 91- 93 خلاصة دعوة الرسول ودعوة للاختبار:
وفي النهاية تجيء الإيقاعات الأخيرة:حيث يلخص الرسول صلى الله عليه وسلم دعوته ومنهجه في الدعوة؛ ويكلهم إلى مصيرهم الذي يرتضونه لأنفسهم بعد ما مضى من بيان؛ ويختم بحمد الله كما بدأ، ويدعهم إلى الله يكشف لهم آياته، ويحاسبهم على ما يعملون:
إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها، وله كل شيء، وأمرت أن أكون من المسلمين، وأن أتلوا القرآن، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فقل:إنما أنا من المنذرين. وقل:الحمد لله، سيريكم آياته فتعرفونها. وما ربك بغافل عما تعملون.
وهم كانوا يدينون بحرمة البلدة الحرام والبيت الحرام؛ وكانوا يستمدون سيادتهم على العرب من عقيدة تحريم البيت؛ ثم لا يوحدون الله الذي حرمه وأقام حياتهم كلها عليه.
فالرسول صلى الله عليه وسلم يقوم العقيدة كما ينبغي أن تقوم، فيعلن أنه مأمور أن يعبد رب هذه البلدة.
{إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ (92) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93)}.
الذي حرمها، لا شريك له؛ ويكمل التصور الإسلامي للألوهية الواحدة، فرب هذه البلدة هو رب كل شيء في الوجود {وله كل شيء} ويعلن أنه مأمور بأن يكون من المسلمين. المسلمين كل ما فيهم له. لا شركة فيهم لسواه. وهم الرعيل الممتد في الزمن المتطاول من الموحدين المستسلمين.
هذا قوام دعوته. أما وسيلة هذه الدعوة فهي تلاوة القرآن: {وأن أتلو القرآن} فالقرآن هو كتاب هذه الدعوة ودستورها ووسيلتها كذلك. وقد أمر أن يجاهد به الكفار. وفيه وحده الغناء في جهاد الأرواح والعقول. وفيه ما يأخذ على النفوس أقطارها، وعلى المشاعر طرقها؛ وفيه ما يزلزل القلوب الجاسية ويهزها هزا لا تبقى معه على قرار. وما شرع القتال بعد ذلك إلا لحماية المؤمنين من الفتنة، وضمان حرية الدعوة بهذا القرآن، والقيام على تنفيذ الشرائع بقوة السلطان. أما الدعوة ذاتها فحسبها كتابها.
{وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين}.
وفي هذا تتمثل فردية التبعة في ميزان الله، فيما يختص بالهدى والضلال. وفي فردية التبعة تتمثل كرامة هذا الإنسان، التي يضمنها الإسلام، فلا يساق سوق القطيع إلى الإيمان. إنما هي تلاوة القرآن، وتركه يعمل عمله في النفوس، وفق منهجه الدقيق العميق، الذي يخاطب الفطرة في أعماقها، وفق ناموسها المتسق مع منهج القرآن.
{وقل الحمد لله} مقدمة لما يتحدث عنه من صنع الله: {سيريكم آياته فتعرفونها}.
وصدق الله. ففي كل يوم يري عباده بعض آياته في الأنفس والآفاق. ويكشف لهم عن بعض أسرار هذا الكون الحافل بالأسرار {وما ربك بغافل عما تعملون}.
وهكذا يلقي إليهم في الختام هذا الإيقاع الأخير، في هذا التعبير الملفوف. اللطيف. المخيف، ثم يدعهم يعملون ما يعملون، وفي أنفسهم أثر الإيقاع العميق: {وما ربك بغافل عما تعملون}. اهـ.

.التفسير المأثور:

قال السيوطي:
{إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ}.
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {أن أعبد رب هذه البلدة} قال: مكة.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة. مثله.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: زعم الناس أنها مكة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: هي منى.
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن هرون قال في حرف ابن مسعود {وأن اتل القرآن} على الأمر وفي حرف أُبي بن كعب {واتل عليهم القرآن}.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن مجاهد {سيريكم آياته فتعرفونها} قال: في أنفسكم، وفي السماء، وفي الأرض، وفي الرزق.
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما كان في القرآن {وما الله بغافل عما تعملون} بالتاء، وما كان {وما ربك بغافل عما يعملون} بالياء». اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال السمين:
قوله: {الذي حَرَّمَهَا}.
هذه قراءةُ الجمهورِ صفةً للرَّب. وابن مسعودٍ وابن عباس {التي} صفةً للبَلْدة، والسياقُ إنما هو للربِّ لا للبلدة، فلذلك كانتِ العامَّةُ واضحةً.
قوله: {وَأَنْ أَتْلُوَ القرآن}.
العامَّةُ على إثباتِ الواوِ بعد اللام. وفيها تأويلان، أحدُهما وهو الظاهر أنَّه من التلاوةِ وهي القراءةُ، وما بعدَه يُلائمه. والثاني: من التُّلُوِّ وهو الاتِّباعُ كقولِه: {واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ} [يونس: 109]. وقرأ عبد الله {أنْ اتْلُ} أمرًا له عليه السلام، ف {أن} يجوز أَنْ تكونَ المفسِّرة، وأَنْ تكونَ المصدريةَ وُصِلَتْ بالأمر. وقد تقدَّم ما فيه.
قوله: {وَمَن ضَلَّ} يجوز أَنْ يكونَ الجوابُ قولَه: {فَقُلْ إِنَّمَآ}. ولابد مِنْ حَذْفِ عائدٍ على اسمِ الشرط. اي: مِنَ المنذِرين له؛ لِما تَقَدَّم في البقرة. وأَنْ يكونَ الجوابُ محذوفًا، أي: فوبالُ ضلالهِ عليه.
{وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93)}.
قوله: {عَمَّا تَعْمَلُونَ} قد تقدَّمَ أنه قرئ بالياءِ والتاءِ في آخرِ هود. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

من لطائف القشيري في الآية:
قال عليه الرحمة:
قوله جلّ ذكره: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ}.
أخبر أنه أمره بالدين الحنيفيِّ، والتبرِّي من الشِّركِ؛ الجليِّ منه والخفيِّ، وبملازمةِ الطريق السَّويِّ. وأخبر أَنَّ مَنْ اتبعه وصَدَّقَه أوجب الحقُّ ذمامه وحقَّه.
قوله جلّ ذكره: {وَقُلِ الَْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيِكُمْ ءَايَاتِهِ}.
سيريكم- عن قريبٍ- آياته، فطوبى لِمَنْ رجع قبل وفاته، والويلُ على مَنْ رجع بعد ذهاب الوقت وفواته!. اهـ.

.التفسير الإشاري:

.قال نظام الدين النيسابوري:

التأويل: {قل سيروا} في أرض البشرية {فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين} لأن خواص نفوسهم انموذج من جهنم كما أن خواص أهل القلوب انموذج من الجنة {وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم} لأنه خمر طينة آدم بيديه اربعين صباحًا ونفخ فيه من روحه فهو مطلع على قالبه وعلى قلبه ولهذا قال: {وما من غائبة} من الخواص في سماء القلب وأرض القالب {إلا في كتاب مبين} وهو علم الله تعالى أن هذا القرآن يقص لأن كل كتاب كان مشتملًا على شرح مقام ذلك النبي ولم يكن لنبي مقام في القرب مثل نبينا، فلا جرم لم يكن في كتبهم من الحقائق مثل ما في القرآن ولهذا قال: {إن ربك يقضي بينهم} اي بين هذه الأمة وبين أمة كل نبي بحكمه أي بحكمته بأن يبلغ متابعي كل نبي إلى مقام نبيهم ويبلغ متابعي نبينا صلى الله عليه وسلم إلى مقام المحبة. فاتبعوني يحببكم الله {وهو العزيز} الذي لعزته لا يهدي كل مثمن إلى مقام حبيبه {العليم} بمن يستحق هذا المقام. {فتوكل على الله إنك على الحق المبين} في دعوة الخلق إلى الله {وإذا وقع القول عليهم} وذلك بعد البلوغ ومضى زمان الرعي في مراتع البهيمية {أخرجنا لهم} من تحت أرض البشرية {دابة تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون} وهي النفس الناطقة فإنها إلى الآن كانت موصوفة بصفة الصمم والبكم بتبعية النفس الأمارة التي لا توقن هي وصفاتها بالدلائل. {ويوم نحشر من كل أمة فوجًا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون} من كلامه وهي صفات الروح والقلب وذلك بعد التصفية والمداومة على الذكر والفكر، حتى إذا رجعوا إلى الحضرة {قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علمًا أماذا كنتم تعملون} بعد أن كنتم مصدقيها عند خطاب {ألست بربكم} [الأعراف: 172] وهذا خطاب فيه استبطاء وعتاب وقع قول يحبهم عليه بدل ما ظلموا فهم لا ينطقون كقوله من عرف الله كل لسانه {ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرًا} جعلنا ليل البشرية سببًا لاستجمام القلب ونهار الروحانية بتجلي شمس الربوبية مبصرًا يبصر به الحق من الباطل.
{ويوم ينفخ} إسرافيل المحبة في صور القلب {ففزع} من في سموات الروح من الصفات الروحانية ومن في أرض البشرية من الصفات النفسانية {إلا من شاء الله} من أهل البقاء الذين أحيوا بحياته وأفاقوا بعد صعقة الفناء وهي النفخة الأولى في بداية تأثير العناية للهداية وإلقاء المحبة التي تظهر القيامة في شخص المحب. وفزع الصفات هيجانها للطلب بتهييج أنوار المحبة {إلا من شاء الله} وهو الخفي وهي لطيفة في الروح بالقوة وإنما تصير بالفعل عند طلوع شموع الشواهد وآثار التجلي فلا يصيبه الفزع بالنفخة الأولى ولا تدركه الصعقة بالنفخة الثانية {وترى} جبال الأشخاص {جامدة} على حالها {وهي تمر} بالسير في الصفات وتبديل الأخلاق {مر السحاب} {رب هذه البلدة} وهي القلب والرب هو الله كما أن رب بلدة القالب هو النفس الأمارة وأنه تعالى حرم بلدة القلب على الشيطان كما قال: {يوسوس في صدور الناس} [الناس: 5] دون أن يقول في قلوب الناس {سيريكم آياته فتعرفونها} فيه إذا لم ير الآيات لم يمكن عرفانها اللهم اجعلنا من العارفين واكشف عنا غطاءنا بحق محمد وآله صلى الله وسلم عليهم. اهـ.

.قال الألوسي:

ومن باب الإشارة في الآيات ما قيل: وأنزل من السماء أي سماء القلب ماءً هو ماء نظر الرحمة فأنبتنا به حدائق ذات بهجة من العلوم والمعاني والأسرار والحكم البالغة، {ما كان لكم أن تنبتوا شجرها} [النمل: 60] أي أصولها لما أن العلوم الإلهية غير اختيارية بل كل علم ليس باختياري في نفسه وإلا لزم تقدم الشيء على نفسه نعم هو اختياري باعتبار الأسباب {أَم مَّنْ جَعَلَ الأرض} أي أرض النفس قرارًا في الجسد {وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَارًا} من دواعي البشرية {وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِىَ} من قوى البشرية والحواس {وَجَعَلَ بَيْنَ البحرين} بحر الروح وبحر النفس {حَاجِزًا} [النمل: 61] وهو القلب {أَم مَّنْ يُجِيبُ المضطر} وهو المستعد لشيء من الأشياء {إِذَا دَعَاهُ} [النمل: 62] بلسان الاستعداد وطلب منه تعالى ما استعد له، وقال بعضهم: المضطر المستغرق في بحار شوقه تعالى: {وَإِذَا وَقَعَ القول عَلَيْهِم أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً} وهي النفس الناطقة والروح الإنساني.
{مّنَ الأرض} [النمل: 82] أي أرض البشرية وعلى هذا النمط تكلموا في سائر الآيات وساق الشيخ الأكبر قدس سره قوله تعالى: {وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب} [النمل: 88] دليلًا على ما يدعيه من تجدد الجواهر كالأعراض عند الأشعري وعدم بقائها زمانين، ومبنى ذلك عنده القول بوحدة الوجود وأنه سبحانه كل يوم هو في شأن، والكلام في صحة هذا المبنى واستلزامه للمدعي لا يخفي على العارض، وأما الاستدلال بهذه الآية لهذا المطلب فمن أمهات العجائب وأغرب الغرائب. والله تعالى أعلم. اهـ.